تقارير و مقالات

في وداع البروفيسور صلاح الدين الفاضل

كتب الإذاعي: عمر محي الدين بابكر.

يتسألون بأي قلب ترتقي
بعد المنابر أم بأي لسان؟.

لم يكن اسماً عاديا تمر به دون توقف ..فالرجل مثل نقلة نوعية في تأريخ الإعلام السوداني والإذاعة السودانية علي وجهه الخصوص.

الأرواح والأجساد تمضي ويبقي ماينفع الناس، ومايرسخ ذكرا وحضورا هو الباق، وهكذا كان أستاذنا الكبيرالراحل البروفيسور صلاح الدين الفاضل أرسد ..اسما ومعني ومضمون ..

وأنا اطالع ما خطه الزملاء الأحباب وأستاذتنا الأجلاء في سِفر رحيله لم يخالجْني الشك بأن للرجل أفضال ومواقف على جميع من عرفوه وتتلمذوا علي يده وزاملوه؛ وسأروي في مساحتي هذي سفرا من علاقتي به ومعرفتي للرجل.

الزمان: منتصف العام ١٩٩٢ للميلاد
المكان: الإذاعة السودانية بأم درمان (رد الله غربتها وردنا إليها غانمين).

تدور أحداث هذه الرواية وحينها كنت أتلمس الخطوة الأولى والأمنيات بأن التحق مذيعا بالإذاعة السودانية.

وقتها كنت طالبا بكلية الآداب بجامعة القاهرة فرع الخرطوم بالسنة الثانية…حينها لم يسعفني الوقت للاتحاق والتقديم لآخر لجنة أصوات بالإذاعة السودانية حيث تم قفل التقديم للمعاينات قمن سبقوني، ولم يكن هنالك فرصة ..فاللجنة سيُمتحن بها المتقدمون بعد أسبوع واحد.

روداتني نفسي أن أجرب حظي وأن اطرق باب المدير العام للإذاعة شخصيا، وأي مدير كان؟؟؟!!! أنه الراحل البروفيسور صلاح الدين الفاضل.

ربطت جأشي وكنت امتلك من الهمة مايؤهلني لهذا اللقاء …وإن لم تخني ذاكرتي فقد كانت الأخت الزميلة أميره الكنزي من يجلس على سكرتارية مكتب البروفيسور صلاح الدين الفاضل.

طلبت منها مقابلة المدير بدون سابق موعد فااعتذرت لي ..جادلتها بإصرار حتى وصل صوتي مكتبه …فخرج الرجل وبصوت قوي قال:(في شنو يازول ليه عامل ازعاج) !!.

أبديت حينها رغبتي للاتحاق بالإذاعة وأن لجنة الأصوات اكتمل عدد نصابها.

(قال خلاص التقديم قفل تعال اللجنة التانية !’اكدت رغبتي بعبارة اسمعني !اتسع صدر الرجل وجلس على طاولة السكرتارية وقال سمّعني:
أخرجت نصا شعريا كنت قد ادخرته لهذا الحدث وبدأت بالقراءة:

السيد المدير هاك التحيه زياده والمشي والرواح لدياركم اصبح عاده
وصولا الي
من زمنا طويل ومناي ابقي مذيع
صوتي يصبح مَعلم فوق البوادي يذيع
عارف كرمكم عاده وبيت الإذاعة وسيع
فتش ليْ مكان ارجوك تشوفوا سريع .
والنص طويل.

وكنت قد صغته بتصرف من نص سابق كتبه شقيقي الأصغر الاستاذ عثمان محي الدين له التحيه.

لم اتوقع ردة فعل البروفيسور صلاح الدين الفاضل، الذي ضحك بصوت عال وأمسك يدي وأنزلني درج السلم مسرعا تجاه استديو الأزهري حيث كان يجري تسجيل مسلسل إذاعي

أوقف الرجل التسجيل وطلب مني دخول الأستديو، وأن أقرأ ما قراته له.

ألجمتني المفاجأة وماعدت قادرا على النطق .. أجلسني البروفيسور صلاح الدين الفاضل أمام الميكرفون وهو خارج الأستديو بحضور مجموعة كبيرة من الممثلين لا أتذكرهم حينها ..وصرخ بصوت (عااال):

ما ترجف اقرأ بثقة، وقال المذيع ثقة أذكرها جيدا،
استجمعت ذاتي وقرأت ما تيسر من النص ..طلب مني الخروج ..وقال مابتنفع .وضحك .ثم قال مبروك سنلحقك باللجنه..

من هنا أتيحت لي فرصة الالتحاق بآخر لجنة أصوت بالإذاعة حيث كانت تمنح شهادات لإجازة الصوت.

اجتزت المعاينة بحضور أستاذتنا الكبار رحمهم الله جميعا: حديد السراج …كمال محمد الطيب ..أحمد عبد المجيد .وعبد الرحمن أحمد وغيرهم من كبار وعظماء الإذاعة.

ومن هنا بدأت رحلتي متدربا باذاعة البرنامج الثاني .. وإذاعة الخرطوم عندما كانت ثبث من أستديو خانجي بأم درمان.

صقلت تجربتي متنقلا بين متخصصات أم درمان والإذاعات الولائية والبرنامج العام وصولا لما أنا عليه الآن.

أي فضل هذا وأي كرم كان وأي اخلاق كانت!! يعود للراحل البروفيسور صلاح الدين الفاضل الفضل الأكبر في مسيرتي.

بعدها لم التق به إلا في العام ٢٠١٠ للميلاد بمنزل سفير السودان بالقاهرة الراحل عبد الرحمن سر الختم، وكنت وقتها مبتعثا من إذاعة أم درمان للعمل بإذاعة وادي النيل بالقاهرة..

جالسته ذكرته فلم ينس مقدما إشادته بتجربتي وفريق عمل إذاعة البيت السوداني ..موجها ومشيدا وناااصحا لي بملاحظاته الثره.

التقيته المرة الأخيرة أوائل رمضان٢٠٢٣ للميلاد بمباني إذاعة أم درمان وأوصلته لمنزله جوار سينما العرضة بأم درمان وكان آخر عهدي به!.

رحم الله البروفيسور صلاح الدين الفاضل وغفر له وأدخله مع الأبرار، فالرجل نحت اسمه من نور في مدرسة الإذاعة السودانية.

اللهم تقبله وتجاوز عنه واحشره مع الصالحين..

وداعا صلاح الفاضل
إنا لله وإنا اليه راجعون.

بواسطة
عمر محي الدين بابكر
المصدر
خاص: شبكة أسبالتا الإخبارية

أسبالتا

شبكة أسبالتا الإخبارية (Aspalta News)، منصتكم الأولى لمتابعة آخر أخبار السودان اليوم على مدار الساعة. نقدم تغطية شاملة وموثوقة للأحداث السياسية، الاقتصادية، الرياضية، والثقافية، بالإضافة إلى تقارير حصرية وتحليلات معمّقة تساعدكم على فهم المشهد السوداني والعالمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى